الشيخ محمد علي طه الدرة

418

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

الفاروق - رضي اللّه عنه - قال على المنبر : ما تقولون في قوله تعالى : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فسكتوا ، فقام شيخ من هذيل ، فقال : هذه لغتنا ، التّخوّف : التنقّص ، قال : فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم ؟ قال : نعم ، قال : شاعرنا أبو كبير الهذلي : [ البسيط ] تخوّف الرّحل منها تامكا قردا * كما تخوّف عود النّبعة السّفن فقال عمر - رضي اللّه عنه - : أيها الناس عليكم بديوانكم ، لا تضلّوا ، قالوا : وما ديواننا ؟ قال : شعر الجاهليّة ، فإن فيه تفسير كتابكم ، ومعاني كلامكم . هذا ؛ وأصل الخوف : انزعاج في الباطن ، يحصل من توقّع مكروه يقع في المستقبل ، وأصل خاف : ( خوف ) فقل في إعلاله : تحركت الواو ، وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا . جَنَفاً ميلا ، من : جنف ، يجنف ، جنفا ، قال الأعشى : [ الطويل ] تجانف عن حوّ اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا ومنه الآية الكريمة . والجنف : الجور ، قال الشاعر : [ الوافر ] هم المولى وإن جنفوا علينا * وإنّا من لقائهم لزور وقال لبيد - رضي اللّه عنه - : [ الكامل ] إنّي امرؤ منعت أرومة عامر * ضيمي وقد جنفت عليّ خصوم أَوْ إِثْماً : ظلما ، وخروجا عن الحقّ ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في هذا الإصلاح ؛ إذ الجنف في الوصيّة ، والإثم : العمد ، وعليه فمعنى الآية : إذا حضر رجل مريضا ؛ وهو يوصي ، فرآه يميل في وصيته ، إما بتقصير ، أو بإسراف ، أو وضع الوصية في غير موضعها ؛ فلا حرج عليه أن يأمره بالعدل في وصيته ، وينهاه عن الجنف ، والميل . وقيل : إن المراد به : إذا أخطأ الميت في وصيته ، أو جنف متعمّدا ؛ فلا حرج على وليه ، أو وصيه ، أو ولي أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته ، وبين الموصى لهم ، ويردّ الحق إلى نصابه ، ويقيم العدل بينهم ؛ وإن حصل في الوصية تبديل ، وتغيير ؛ لأن فيه خيرا ، بخلاف التبديل السّابق . وانظر الأحاديث التي ذكرتها في الآية السّابقة ، التي تشدّد النكير على من يجوز في وصيته . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : واسع المغفرة ، والرّحمة لمن قصد بعمله الإصلاح . فهما صيغتا مبالغة . الإعراب : فَمَنْ : الفاء : حرف استئناف . ( من ) : انظر الاعتبارين فيها في الآية السابقة . خافَ : فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط ، والفاعل يعود إلى ( من ) . مِنْ مُوصٍ : جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما ، أو هما متعلقان بمحذوف حال من : جَنَفاً كان صفة ، فلما قدّم عليه صار حالا ، على القاعدة المشهورة : « نعت النكرة . . . إلخ » . وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة ، لالتقاء الساكنين .